الانشغال بشيء غير القرآن في رمضان
يستنكر بعض الأفاضل على إخوانهم الاشتغال بشيء من العلم -غير القرآن- في رمضان، وهذا -برأيي- تصرف غير صحيح؛ فإن الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو (زيادة) الاهتمام بالقرآن لا (إلغاء) ما سوى القرآن، بل إنه صلى الله عليه وسلم خرج لفتح مكة في رمضان ولم يؤجل ذلك حتى ينصرم الشهر، ولذلك فإن من فقه الإمام البخاري أنه بوّب على هذا الحديث بقوله في صحيحه (باب الخروج في رمضان) وعلّق ابن حجر في الفتح على هذا التبويب قائلاً (وأراد به رفع من يتوهم كراهة ذلك).
وإذا قيل إن هذا خاص بالجهاد -وليس كذلك- فإن طلب العلم لمن كانت نيته في طلبه تحقيقَ عزّ الإسلام وإعلاء كلمة المسلمين ومصاولة المبطلين المعتدين على الثوابت والعقائد الإسلامية = يُعدّ اشتغالاً في سبيل الله كذلك، فإن الله وصف بيان الحق بالبراهين وإبطال حجج المشركين بالجهاد، وذلك في قوله (وجاهدهم به جهادا كبيرا).
قال ابن تيمية رحمه الله (فالراد على أهل البدع مجاهد، حتى كان يحيى بن يحيى يقول: الذب عن السُّنَّة أفضل من الجهاد) (الفتاوى 14/4)
وإذا كان لا يُستنكَر على من يشتغل بذكر الله تعالى في هذا الشهر ولا يُرى أن فعله معارض للانشغال بالقرآن فإن طلب العلم الشرعي هو من ذكر الله كذلك، كما قال ابن تيمية رحمه الله: (ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ اللِّسَانُ وَتَصَوَّرَهُ الْقَلْبُ مِمَّا يُقَرِّبُ إلَى اللَّهِ مِنْ تَعَلُّمِ عِلْمٍ وَتَعْلِيمِهِ وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفِ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ فَهُوَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ. وَلِهَذَا مَنْ اشْتَغَلَ بِطَلَبِ الْعِلْمِ النَّافِعِ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ أَوْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَتَفَقَّهُ أَوْ يُفَقِّهُ فِيهِ الْفِقْهَ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِقْهًا فَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَفْضَلِ ذِكْرِ اللَّهِ.) الفتاوى ٦٦١/١٠
وأما ما ورد عن السلف من ترك دروس العلم والحديث في رمضان فهذا يحتاج إلى تحرير من جهات:
من جهة ثبوت النقل عن آحادهم في ذلك - وفيه بحث-
من جهة المواقف المغايرة لهذا الموقف عبر توسيع دائرة الاستقراء لهدي السلف. -وفيه آثار-
من جهة "التعميم" لما ورد عن البعض على بقية السلف -حال ثبوته- "وفي هذا التعميم إشكال"
من جهة التفريق بين الخيار الشخصي (وهذا لا يُستنكر) وبين معيرة هذا الخيار ليكون فرقانا بين الحق والباطل، والمعروف والمنكر، أو الفاضل والمفضول.
بمعنى أن اتخاذ المرء لنفسه قرارا بعدم الانشغال عن القرآن في رمضان يختلف عن جعل هذا الموقف معيارًا يحكم به على بقية المشتغلين.
وخلاصة الأمر: أن الذي ينبغي استنكاره في رمضان ما يلي:
إضاعة الوقت.
التفريط في الطاعة _بمعناها العام الشامل للعلم أيضا-.
قلة الاهتمام بالقرآن.
قول الزور والجهل.
عدم صلاح الحال الإيماني في الجُملة.
وأما إيقاع طلاب العلم في الحرج بالتعريض بهم وكأنهم أتوا بانشغالهم في العلم منكراً من القول فهذا مُشكل جدا وتوريثه للطلاب أشد إشكالاً.
والله أعلم.