لغة التفاهم المناسبة للجيل الصاعد
بعد أن يسر الله لي إخراج كتاب (إلى الجيل الصاعد) -الذي صار مقررا في كثير من الحلقات والبرامج الشبابية بفضل الله تعالى- انغمستُ في البرامج التطبيقية العملية مع الجيل، والتي تهدف إلى المعالجة الجذرية للمشكلات عبر إيجاد البديل المناسب الذي يغطي الاحتياج الروحي والعقلي، ويملأ على الشباب عواطفهم وأذهانهم، ولم يكن ذلك عبر الوسائل الترفيهية الجاذبة، ولا عبر الاستسلام للقوالب التي تفرضها ثقافة شبكات التواصل من لغة السرعة والمعلومات الـمُعلّبة والشعارات الدعائية والتمركز حول الذات وتضخيمها ونسف المعايير الأصيلة واستبدالها بمعايير فوضوية لا معنى لها.
وإنّما بإيجاد لغة التفاهم المناسبة مع الجيل، والتي يُمكن القول بأن التعامل بها يشبه في تأثيره السحر: (وإن من البيان لسحراً)، وهي اللغة التي يُدرك الشاب أو الفتاة من الجيل -أول ما يسمعها- أنّ من يتحدث معهم ليس بعيداً عن مشكلاتهم، ولا هو معزول عن تفكيرهم واهتماماتهم.
وهي لغة أصيلة غير مستعارة، وعزيزة عالية غير ملفقة ولا مرقّعة، تستخرج أعماق الفطرة فيهم، وتُغذي ثمرة الإيمان في قلوبهم، وتنمّي ملَكة التفكير لديهم، وترفع أعلام العلوم النافعة في سماءاتهم؛ فتصنع لهم الأمل، وتضعهم على المسار الذي يشعرون فيه بأنهم ليسوا أرقاماً لا قيمة لها، وإنما أرقام صعبة يمكنها تغيير المعادلات، وصناعة المستقبل -بإذن الله تعالى-.
ومقتضى هذا المنطق: العملُ على البناء الطويل الأمد، وصناعة البرامج الشمولية الجامعة بين العلم والتربية والتزكية والوعي، والمعايشة بين المربّين والطلاب، وهذا طريق طويل لا يصبر عليه إلا القليل، غير أن نتائجه مذهلة، وثمراته عظيمة.
وقد تأكد لي مع هذه التجربة أنّ المعالجات المؤقتة السريعة لمشكلات الجيل الصاعد ليست هي الخيار الأنسب لوقايته من التحديات المحيطة به -مع كونها الأكثر انتشاراً-؛ فهي تصطدم بأسوار من التأثيرات المضادة التي لا يُمكن تجاوزها إلا بمعالجات عميقة وجذرية؛ وإلا فما الذي يمكن أن تصنعه مجموعة مقاطع مفيدة مقابل سيول ضخمة من المقاطع سيئة المحتوى؟ وما الذي يمكن أن تفعله بعض الرسائل القصيرة الهادفة في نفوس الشباب مقابل أرتال التفاهات وزُمَر التافهين؟!
إن من المهم لمن يتعامل مع الجيل أن يُدرك ضخامة المؤثرات المضادة للحلول السريعة، وحجم التحديات المعيقة عن فاعلية المعالَجات الجزئية، وأنه بدون الوعي بنوع العلاج المُجدي، وطبيعة الحلّ المؤثر لن نجني إلا مزيداً من المشكلات والتحديات.
مع العلم بأن هذا الخيار لا يعني الاستغناء التام عن المعالجات السريعة والحبوب المُسكّنة، بل هي ضرورية إذا أخذت مربعها الصحيح، وفهمنا أنها مجرد مُسكّنات ومهدّئات: لا يُراهَن عليها، ولا يُكتفى بها، ولا تُعطى أكبر من حجمها.