الأسئلة الشاغلة للشباب اليوم
من جُملة التساؤلات التي تشغل كثيرا من الشباب المهتمين بشأن الإسلام اليوم: سؤال الوجهة وصحة الطريق: (أي الطرق أصح؟ وأي اتجاه من اتجاهات المصلحين أقرب للصواب؟ وكيف أثق أني على طريق ومنهج يرضي الله تعالى؟ وما مجال الإصلاح الأنفع اليوم؛ هل هو الدعوي أم الفكري أم التربوي أم السياسي أم غير ذلك من الخيارات؟) ونحو ذلك من الأسئلة التي تنتمي إلى الدائرة الثانية من التساؤلات التي سبق بيانها في مقدمة الكتاب.
ومما لا شك فيه أن تعدد الاتجاهات وتنوع الوسائل والمجالات الإصلاحية لا يدل على خطئها بالضرورة، بل إن من الاحتياجات الماسة اليوم أن تتنوع وسائل الإصلاح ومجالاته؛ لأن مساحة الثغور واسعة لا يمكن استيفاؤها بمجال واحد فقط، ثم إن النوازل والمشكلات تختلف من مكان لآخر، ومن بيئة لأخرى، فتنوُّع الوسائل وتعدد المجالات بحسب البيئات يُعد أمرا مهما كذلك، ثم إن من القضايا المتعلقة بالوجهة ما يحتمل اختلاف وجهات النظر ولو كانت خلاف الأولى، وهذا كلُّه يجعل التعامل مع هذه الأسئلة على قدر من الهدوء وسعة النظر والإعذار في بعض المساحات، غير أن هناك مساحاتٍ أخرى فيها اختلافات جذرية يصعب الجمع فيها بين العاملين، كما يصعب تصويبهم جميعاً، بل يكون فيها قدر من الخطأ والإشكال يتطلب البحث عن الصواب، كما أن هناك درجة أشد إشكالا، وهي أن تكون بعض الاتجاهات التي تتبنى شعارات إسلامية هي من أهم أسباب المشكلات الحالية، وطريقها موغل في الباطل، وهذا يتطلب تنبها وبحثا أكثر عمقا.
وفي الحقيقة فإن التمييز بين الصواب والخطأ في مثل هذه السياقات لا يمكن حصره في وسائل معرفية مجردة، وإنما لا بد فيه -مع هذه الوسائل- من تطلُّب الهداية الإلهية التي تورث الإنسان البصيرة فيما ينظر فيه ويتعامل معه من هذه السياقات، فلا بد من التأكيد على مركزية الاستهداء بالله تعالى للوصول إلى مثل هذه الحقائق، ويستحضر المرء هنا الدعاء النبوي الشريف، وهو ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال لعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: بأي شيء كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".
وتطلُّب الهداية لا ينحصر في الدعاء، بل له وسائل كثيرة، منها الإنابة، والاعتصام، والخشية، والمجاهدة، والصدق، واقتفاء أثر النبيين، وغير ذلك، ولي فيها بحث مطبوع بعنوان: (مفاتيح البصيرة عند النوازل والفتن). وهذا كله من جهة المعاني الإيمانية التعبدية، وأما من الجهة المعرفية فإن هناك معالم منهجية تعين الناظر على تمييز الصواب من الخطأ في مثل هذه الاختلافات، كما أنها تعينه في نفسه ليضع خطواته في الموضع المطمئن وهو يسير في طريق الإصلاح، وعنونتُها بـ (معالم كاشفة لصواب الوجهة وصحة الطريق).