موافقة القنوت الشرعي للقنوت الكوني
الكائنات المسخّرة بالقدر تستغفر للدعاة المصلحين بالشرع، (حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير) وبعكس ذلك فقد ثبت أن موت الفاجر (يستريح منه البلاد والعباد والشجر والدواب) وذلك أن الله سبحانه أصلح حال الكائنات بتسخيره الكوني، وأراد منا أن نسعى في إصلاح أحوال العباد بأمره الشرعي؛ فالمصلحون لأحوال الناس -بهُدى الله وإذنه- هم أشرف الخلق المتممون لأعلى معاني القسط والحق؛ لأنهم المحققون لمعنى الصلاح والعبودية الاختيارية في المكلفين، الموافِقة للعبودية القهرية في الكائنات؛ وهذا موافق لمراد الحق سبحانه من خلق الخلق وإنزال الشرع؛ كما قال الشاطبي رحمه الله: (المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلّف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد الله اضطراراً)؛ فالله سبحانه كما أنه (أحسن كل شيء خلقه) فقد أنزل شريعته على التمام والكمال كذلك، كما قال سبحانه وتعالى: (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا)، فهو الذي أحسن الخلق والأمر.
ولكنه جعل للعباد إرادات قد تمنعهم -إذا فسدت- من تحقيق الصلاح والعبودية، ثم جعل من أعظم أسباب إزالة تلك الموانع وجود المصلحين المبلغين لرسالاته؛ فهم الذين يهدي الله بهم الخلق ويصلح أحوالهم ولذلك وصفهم بأنهم أحسن الناس قولا فقال: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله) فالساعون لتبليغ كلمات الله واستصلاح الخلق بها يقومون بأعظم القسط، ويوافقون حالة الصلاح العامة في الكون المسخّر القانت لله تعالى بالقدر كما قال سبحانه: (لَّهُۥ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ تِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلࣱّ لَّهُۥ قَـٰنِتُونَ) فيسعون لتحقيق القنوت الطوعي له سبحانه: (وَقُومُوا۟ لِلَّهِ قَـٰنِتِینَ) وبعكس ذلك فإن مخالفة هذا القنوت هي أعظم الظلم كما قال سبحانه: (إن الشرك لظلم عظيم) فإذا استحضر المصلحون هذا المعنى أدركوا شرف الغاية التي يعملون لأجلها، ولم يرضوا بها بدلا، وعقدوا لأجلها الصفقة مع خالقهم سبحانه، فباعوا نفوسهم لله، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَشۡرِی نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ ولم يلتفتوا للمصاعب والشدائد وأذى الأعداء.