واجب الوقت صناعة المصلحين
إن من أعظم واجبات الوقت: بناء المصلحين، وصناعة الحَمَلة الذين يتحملون أعباء القيام بالدين وتبليغه، ويعملون على إحياء حقائقه وإعلاء كلمته، ويكونون محلّاً للعون الإلهي والمدد الرباني؛ إذ إنّ سنة الله سبحانه وتعالى قد جَرَتْ بأن الدين لا يقوم إلا بالحَمَلة الذين يعيشون لأجله ويبذلون غاية جهدهم في التمكين له، فاللهُ سبحانه وتعالى لم يُنزِل القرآن على جبل، وإنما أنزله على بشر يأخذه بقوة، فيستمسك به ويمشي به في الناس، مبلِّغاً وهاديا؛ فكان النبيُّ هو الساعي في الأرض لتمكين كلمة الله تعالى، ثم عمل على صناعة الحَمَلة الذين يعينونه على أعباء الرسالة وتكاليفها، ويقومون بالأمر من بعده، وكان هؤلاء الحَمَلة من جملة تأييد الله لدينه ولنبيه، كما قال سبحانه: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين)، وهذه سنة الله تعالى في كل الأزمان، فقد جعل -سبحانه وبحمده- الـمَخْرَج للمستضعفين من طغيان فرعون وجبروته في صناعة موسى عليه السلام وتهيئته وتربيته حتى يحمل رسالته ويعمل بها، ومن ثم في سعي موسى عليه السلام لتربية المؤمنين الذين اتبعوه، فقصّ الله علينا من نبأ تربيته إياه ورعايته له ما قصّ، حتى قال عنه سبحانه وتعالى: (ولتصنع على عيني) قال ابن عاشور في تفسيره لهذه الآية: (والصنع: مستعار للتربية والتنمية، تشبيها لذلك بصنع شيء مصنوع) ثم قصّ الله علينا من نبأ عناية موسى بالمؤمنين معه، فقال: (وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ) وقال: (قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوٓاْ إِنَّ ٱلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَٱلْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ قَالُوٓاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنۢ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) وهكذا كان الحال مع زكريا عليه السلام حين خشي على الدين من بعده ألا يقوم به مواليه وعصبته وأقرباؤه، كما قال ابن سعدي رحمه الله: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي ﴾ قال (أي: وإني خفت من يتولى على بني إسرائيل من بعد موتي، ألّا يقوموا بدينك حق القيام، ولا يدعوا عبادك إليك، وظاهر هذا أنه لم ير فيهم أحدا فيه لياقة للإمامة في الدين) فطلب من الله سبحانه وليّا يرثه ويقوم بالدين من بعده، فزكريا عليه السلام يعلم سنة الله في حفظ دينه أنها إنما تكون بالحَمَلة الذين يقومون بأعباء الدين ويرثون النبوة والإمامة الدينية، إلى غير ذلك من المستندات الكثيرة التي تدل على هذا المعنى، فالنهضة بالدين لا تكون إلا بإحياء حقائقه، وصناعة حملته، وتنزيله على واقع صحيح.