مدخل إلى أسئلة المرحلة
نص تجريبي لعرض شكل القراءة — منقول آليًا ويحتاج مراجعة
إن لكل مرحلة زمنية أسئلتها الكبرى الموضحة لأهم مشكلاتها، والكاشفة عن أبرز تحدياتها، والموجهة إلى الأولويات التي توجه إليها الطاقات، وتبذل فيها الأوقات، وتصرف إليها الجهود، وتستنفد فيها الأعمار.
ومع أن من شأن هذه الأسئلة الكبرى أن تكون معلومة ظاهرة؛ لكثرة الشواهد الدالة عليها إلا أن المصلحين والعاملين يتفاوتون في إدراكهم لها تفاوتا كبيرا، ومن ثم يتفاوت عملهم وسعيهم في الجواب عنها؛ فمنهم من يكون على وعي تام بها؛ فيوجه إليها جهوده وعمله ومشاريعه وخلاصة همه، ومنهم من يكون غير مدرك لمركزية هذه الأسئلة ولا لأهميتها، بل قد يستنقص من شأنها وشأن العاملين في الجواب عنها، فيشتت جهده في حل مشكلات ليست هي أولى ما ينبغي العمل عليه ولا أجدر ما يطلب الاهتمام به، والذي ينبغي لكل مصلح ألا ينشغل بغير الأسئلة الكبرى عنها، مع جواز انشغاله بغير الأسئلة الكبرى معها، أي أنه وإن انشغل ببرامج ومشاريع غير متعلقة بالأسئلة الكبرى فإنه لا ينبغي له أن يكون منصرفا تمام الانصراف عن الاهتمام بالأسئلة والمشكلات الكبرى -ولو بطريقة غير مباشرة-، بل يجمع بين الأمرين إن أمكن الجمع، وإلا فليقدم الأولى عند التزاحم.
والمستند الشرعي في تقديم الاهتمام بهذه الأسئلة ومشكلاتها هو ما تجده في رسالات الأنبياء من انشغال كل نبي في دعوته بالمشكلات المركزية المنتشرة في قومه، فهذا لوط عليه السلام يعتني بعلاج مشكلة الفاحشة، وذاك هود عليه السلام يحارب مظاهر الاستعلاء المادي في قومه، وشعيب عليه السلام كان يدعو قومه إلى القسط في الميزان وعدم إنقاصه، ولم يشتغل شعيب عليه السلام بمحاربة الفاحشة ولا لوط عليه السلام بمحاربة التطفيف في الميزان لا لكونهما ليستا مشاكل بل لأنهما لم يكونا من المشكلات المنتشرة في أزمانهم، بالإضافة إلى اهتمامهم جميعا بالمشكلة المركزية المتكررة في جميع الأقوام، وهي مشكلة الشرك بالله سبحانه، وهذا معلم منهجي أساسي في طريق الإصلاح، وهو: «ألا يكون الانشغال بالقضايا الصغرى -ولو كانت صالحة- مفضيا إلى ضياع القضايا الكبرى»، وهو ما يدخل تحت عنوان «فقه الأولويات» و«فقه الدعوة» بشكل عام.
هذا وإن من أعظم صور التوفيق والهداية أن يهدى المصلح إلى فهم مشكلات واقعه وإدراك مراتب خطورتها، ثم يهدى إلى موافقة الحق في طريقة علاجه لها، وإلى تقديم الأهم على ما دونه في أولوية الاشتغال بالإصلاح، فيستحق بذلك وصف «الحكمة» التي هي: «فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي» كما ذكر أهل العلم، فيدخل في هذا التعريف دخولا أوليا فقه الأولويات وتقديم المصالح الأجدر بالعناية على ما دونها، وهذا ما ينطبق على موضوع الأسئلة الكبرى والعناية بها على وفق هدي الأنبياء وسبيل المرسلين عليهم صلاة الله وسلامه أجمعين.
وإذا أردنا أن نعود بالذاكرة إلى التاريخ القريب لنرى أمثلة تعبر عن هذا المعنى -الذي هو صياغة أهم تحديات المرحلة في أسئلة تعبر عنها- فإن من أبرز الأمثلة على ذلك: ما فعله «شكيب أرسلان» -وهو أحد المصلحين في النصف الأول من القرن العشرين- من صياغة سؤال معبر عن مشكلة مرحلته، وهو سؤال: «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟»، وهو في أصله سؤال مطول ورد إليه من إندونيسيا عن طريق مجلة المنار ثم صدر على شكل كتاب عام ١٩٣٠م، وكان هذا السؤال معبرا بدقة عن هموم المفكرين في مرحلة طويلة تجاوزت نصف قرن، ولذلك اكتسب أهمية بالغة أكثر من الجواب نفسه.
ومما يجدر التنبيه إليه أن تلك المرحلة كان فيها مشكلات أخرى عميقة تتطلب الاهتمام، وأسئلة أخرى ربما لم يهتد إليها بعض العاملين، أو ربما عرفوها ولكن لم يهتدوا إلى حسن الجواب عنها، فلا ينبغي أن نحصر إشكالية تلك المرحلة في سؤال التقدم والتأخر فقط.
وإذا كان سؤال التقدم معبرا عن إحدى المشكلات الكبرى في مرحلة الثلث الأخير من القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين؛ فإننا نعيش اليوم مرحلة مختلفة لها أسئلتها ومشكلاتها وثغورها وعناوينها الخاصة بها، فمن المهم تسليط الضوء عليها وإبرازها حتى توجه إليها الطاقات وتكون محل استحضار ومراعاة على الدوام، وهذا من أهم وظائف المصلحين وأدوارهم.
وإذا أردنا أن نعبر بسؤال واحد يلخص المشكلات الكبرى التي ينبغي أن ينشغل بها المصلحون في مرحلتنا هذه فإننا سنجد صعوبة بالغة في ذلك؛ نظرا لاتساع رقعة المشكلات وتمدد خارطة الثغور، ونظرا لطول زمن المشكلات التي عصفت بالأمة الإسلامية منذ بداية الاستعمار الغربي لها في ظل انهيار المظلة الجامعة للأمة الإسلامية خلال القرنين الأخيرين، بالإضافة إلى اتساع مساحات التأثير الفكري العميق خلال العقود الأخيرة، ولأجل ذلك فإن اختصار المشكلات الكبرى التي تعبر عن زماننا في مشكلة واحدة أمر في غاية العسر، غير أنه يمكننا القول: إن أهم المشكلات الكبرى التي تعبر عن زماننا تتمثل فيما يلي:
أولا: مشكلة التفرق والتمزق في الأمة الإسلامية
ويتمثل في أنواع:
- التمزق السياسي.
- التمزق العرقي.
- التمزق المنهجي.
- التمزق المذهبي.
- التمزق القطري.
- التمزق المناطقي.
وكثير من هذا التفرق هو تفرق بالباطل، وبعضه تفرق بحق، وذلك بسبب الانحراف الذي تلبست به بعض طوائف هذه الأمة فخالفت سنة النبي ﷺ وهديه.
ثانيا: مشكلة الاستضعاف للأمة الإسلامية
عبر الاحتلال الخارجي والهيمنة الصهيوصليبية من جهة، وعبر الطبقة الموالية لهذه القوى العالمية والتي تتحكم في واقع الشعوب الإسلامية فتحارب المصلحين والمشاريع الإصلاحية وتبدد طاقات الأمة وتحافظ على حالة الوهن العامة، كما تأتي بالبدائل الوطنية وغيرها مما يضعف من حالة الترابط بين الأمة الإسلامية، وهذه المشكلة هي من أكبر المشكلات في زماننا، ولها أسباب كثيرة وصور متنوعة، ومن نتائجها غياب المنهج الرباني عن أن يكون حاكما لهذه الأمة.
ومما يدخل في حالة الاستضعاف صورة أخص من السابقة، وهي حالة الهيمنة الباطنية وتمدد المشروع الإيراني الشيعي ليسيطر على عدد من العواصم العربية ويسهم بشكل قوي في كسر شوكة أهل السنة، وخاصة مما بعد عام ٢٠٠١م.
ومما يدخل في مشكلة الاستضعاف للأمة الإسلامية ما يجري على المسلمين في مشرق العالم الإسلامي وتحديدا في تركستان الشرقية وفي بلاد طاجكستان وغيرها، وهي مشكلة ابتدأت من زمن سيطرة الاتحاد السوفيتي، واستمرت إلى هذا اليوم في بعض تلك البلدان، ومن نتيجة مشكلة الاستضعاف للأمة الإسلامية أن حكم الإسلام وإيجاد المظلة السياسية الجامعة للأمة الإسلامية قد غاب عن كثير من جغرافيا العالم الإسلامي وبلدانه منذ قرن من الزمن.
ثالثا: مشكلة الغثائية والوهن النفسي والقلبي الداخلي للأمة الإسلامية
وهي تختلف عن المشكلة السابقة، فالمشكلة السابقة سببها في الأصل خارجي بالتسلط على الأمة وقهرها، وأما مشكلة الغثائية والوهن فهو سبب داخلي يتمثل في الغفلة وغياب الهوية وحب الدنيا والانشغال عن قضايا الأمة، إلى غير ذلك من المشكلات الداخلية.
رابعا: مشكلة التحديات الفكرية المعارضة لأصول الدين وثوابت الإسلام
وهي من أكبر المشكلات؛ نظرا لكونها كانت من أهم أهداف الاستعمار والاستشراق، ثم صارت من أهم أهداف المؤسسات الإعلامية الكبرى المؤثرة في العالم الإسلامي وغير ذلك، ومن أبرز صور هذه التحديات الفكرية: الإلحاد، النسوية، الشذوذ، إنكار السنة، العلمانية، الليبرالية، وغير ذلك.
خامسا: مشكلة ضعف المصلحين وقلة الحملة القائمين بشأن الإسلام والرافعين للوائه، وغياب المنهج الإصلاحي الشمولي عن كثير من الأوساط الإسلامية الدعوية
وهذه المشكلة هي أخطر المشكلات برأيي؛ وذلك لأن هذه المشكلة هي السبب في دوام بقية المشكلات، ولأن معالجتها ستؤثر إيجابا على بقية المشكلات، فإذا صلح حال المصلحين وتنامى الحملة لهذا الدين واتضحت الرؤية لديهم وبذلوا في سبيلها الغالي والنفيس؛ فإنهم سيسدون عامة الثغور في هذه الأمة وسيعالجون بقية المشكلات الكبرى.
وأنا في هذا الكتاب ركزت على هذه المشكلة تحديدا؛ حيث إن المقصود بهذا الكتاب هو مخاطبة المصلحين والعاملين للدين وتقديم مجموعة من الأفكار والمعاني المرتبطة بصناعة المصلحين والحملة، وأما بقية المشكلات الأربعة فسأتناولها بإذن الله تعالى في الكتاب القادم المتعلق بالثغور الإصلاحية.
وهذه المشكلة المتعلقة بالواقع الإصلاحي اليوم هي مشكلة كبيرة وعميقة وفيها تحديات جديدة؛ لأننا نمر بمرحلة استثنائية انتقالية جاءت بعد هبوط حاد في مكتسبات كثير من المشاريع الإسلامية مما أدى إلى فقدان الصفوف تماسكها، فظهرت حالة من الإحباط واليأس تولدت عنها أسئلة مصيرية متعلقة بجدوى العمل للإسلام، بل وتجاوزت ذلك إلى السؤال عن صحة الإسلام نفسه عند بعض من اشتد بهم اليأس والإحباط، كما أن هناك أسئلة متعلقة بصحة المنهج ومعالم الطريق الصحيح من بين الطرق الكثيرة والاتجاهات الإسلامية المختلفة، بالإضافة إلى أسئلة واجب الوقت وأولويات العمل، وأفضل الطرق للإصلاح، وأهم المشاريع والثغور، وما إلى ذلك من أنواع الأسئلة.
ولذلك فإذا أردنا أن نلخص أبرز الأسئلة والتحديات الداخلية التي يواجهها العاملون في مختلف السياقات الإسلامية وخاصة في مرحلة ما بعد الربيع العربي وآثاره؛ فإننا سنجد عددا كبيرا مما ينبغي الاهتمام به وتقديمه من المشكلات والأسئلة والتحديات، ولذلك فإن من الأفضل -على سبيل التقريب- صناعة دوائر وحزم تضم فيها الأسئلة المتشابهة إلى بعضها، ثم تعنون بعنوان جامع يضمها، وبناء على ذلك فسأقسم هذه الأسئلة إلى ثلاث دوائر على النحو التالي:
الدائرة الأولى: دائرة اليأس والإحباط والاضطراب أمام التحديات الهائلة المتجددة
وأهم الأسئلة المعبرة عن هذه الدائرة هي:
- «سؤال الجدوى من العمل للإسلام».
- «سؤال صلاحية مرجعية الوحي للتحديات المعاصرة».
- «سؤال الهوية الإسلامية أمام الهويات الأخرى».
- «سؤال الثبات».
- «سؤال اليقين والشك تجاه الثوابت والمسلمات الشرعية».
وما إلى ذلك.
الدائرة الثانية: دائرة الحيرة في اختيار الوجهة الإسلامية وفي الاستقامة المنهجية الإصلاحية
والتي يمكن أن يعبر عنها بـ«سؤال الوجهة» أو «البوصلة»:
وتشمل أسئلة مركزية متعددة من نحو:
- «ما الوسيلة الصحيحة للعمل للإسلام في هذه المرحلة: الدعوية أم التربوية أم الشرعية أم النهضوية التنويرية أم السياسية أم القتالية...؟».
- «كيف أعرف من هم على الحق من المنتسبين لحقول العمل للإسلام؟».
- «سؤال الصلة والقطيعة بالتراث الإسلامي في سياق النهضة والتجديد».
ونحو ذلك من الأسئلة التي هي بطبيعة الحال تأتي بعد سؤال الجدوى.
الدائرة الثالثة: دائرة الخطة والمنهجية والأولويات والتحديات والعمل
والتي يمكن أن يعبر عنها بأكثر من جملة، منها: «واجب الوقت» و«اختيار الثغر» و«احتياجات المصلح»:
وتشمل أسئلة مركزية متعددة من نحو:
- «كيف نعرف واجب الوقت من بين خارطة الثغور؟».
- «ما المشروع الإصلاحي الأنفع لي؟».
- «ما متطلبات المرحلة من حيث البناء والتكوين للوصول إلى حسن العمل والتأثير؟».
- «كيف أتجاوز التحديات المحيطة والمعيقة عن العمل والفاعلية الإصلاحية؟».
- «كيف نكون أملا؟».
وقد حرصت على تناول هذه الأسئلة المركزية وما يتصل بها عبر هذا الكتاب بالنقاش والتحليل والمعالجة بما يسر الله وأعان، ولكن ليس بالطريقة المباشرة التي أتناول فيها كل سؤال على حدة، وإنما بالتأصيل والبناء الذي يأتي على كثير من هذه الأسئلة وخاصة في الدائرتين الأولى والثالثة، ومما أعان على ذلك -بفضل الله وتوفيقه- أنني قدمت مضامين الكتاب في لقاءات شبابية كثيرة ودورات مطولة -غير منشورة سابقا-، فاستفدت كثيرا من مشاركة الحضور وتفاعلهم والأسئلة التي تطرح، وفي كل مرة أقدم المادة أو بعض مضامينها أزيد في أصلها وأعدل وأصلح وأعيد الترتيب، حتى استوت على صورة كنت أحسبها صورة التمام، فعرضت المادة على مجموعة من ذوي العلم والرأي والتجربة فأبدوا ملاحظاتهم وآراءهم، فاستفدت منها كذلك وعدت إلى أصل المادة بالتحسين والتعديل، حتى خرجت بهذه الصورة التي مع كونها لا تزال قابلة للتعديل إلا أنني أرجو أن تكون نافعة طيبة يستفيد منها المخاطبون بهذا الكتاب، سائلا الله تعالى التوفيق والتسديد والعون والبركة.