مقدمة
نص تجريبي لعرض شكل القراءة — منقول آليًا ويحتاج مراجعة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين وعلى آله وأصحابه سادات المسلمين، أما بعد:
فإن من أعظم واجبات الوقت: بناء المصلحين وصناعة الحملة الذين يتحملون أعباء القيام بالدين وتبليغه، ويعملون على إحياء حقائقه وإعلاء كلمته، ويكونون محلًّا للعون الإلهي والمدد الرباني؛ إذ إن سنة الله ﷻ قد جرت بأن الدين لا يقوم إلا بالحملة الذين يعيشون لأجله ويبذلون غاية جهدهم في التمكين له، فالله ﷻ لم ينزل القرآن على جبل، وإنما أنزله على بشر يأخذه بقوة، فيستمسك به ويمشي به في الناس مبلغا وهاديا؛ فكان النبي هو الساعي في الأرض لتمكين كلمة الله تعالى، ثم عمل على صناعة الحملة الذين يعينونه على أعباء الرسالة وتكاليفها ويقومون بالأمر من بعده، وكان هؤلاء الحملة من جملة تأييد الله لدينه ولنبيه، كما قال سبحانه:
﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾
وهذه سنة الله تعالى في كل الأزمان، فقد جعل -سبحانه وبحمده- المخرج للمستضعفين من طغيان فرعون وجبروته في صناعة موسى عليه السلام وتهيئته وتربيته حتى يحمل رسالته ويعمل بها، ومن ثم في سعي موسى عليه السلام لتربية المؤمنين الذين اتبعوه، فقص الله علينا من نبأ تربيته إياه ورعايته له ما قص، حتى قال عنه ﷻ:
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾
قال ابن عاشور رحمه الله في تفسيره لهذه الآية:
والصنع: مستعار للتربية والتنمية تشبيها لذلك بصنع شيء مصنوع١
ثم قص الله علينا من نبأ عناية موسى بالمؤمنين معه، فقال:
﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾
وقال:
﴿قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۖ إِنَّ ٱلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَٱلْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
﴿قَالُوٓا۟ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنۢ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾
وهكذا كان الحال مع زكريا عليه السلام حين خشي على الدين من بعده ألا يقوم به مواليه وعصبته وأقرباؤه، كما قال ابن سعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى:
﴿وَإِنِّى خِفْتُ ٱلْمَوَٰلِىَ مِن وَرَآءِى﴾
قال:
أي: وإني خفت من يتولى على بني إسرائيل من بعد موتي ألا يقوموا بدينك حق القيام ولا يدعوا عبادك إليك، وظاهر هذا أنه لم ير فيهم أحدا فيه لياقة للإمامة في الدين٢
فطلب من الله سبحانه وليا يرثه ويقوم بالدين من بعده، فزكريا عليه السلام يعلم سنة الله في حفظ دينه أنها إنما تكون بالحملة الذين يقومون بأعباء الدين ويرثون النبوة والإمامة الدينية، والمستندات الدالة على هذا المعنى كثيرة في كتاب الله، فالنهضة بالدين لا تكون إلا بصناعة حملته كما سيأتي تفصيل ذلك في الكتاب بإذن الله تعالى.
وقد اعتنيت في السنوات الماضية بهذا الباب -أعني باب صناعة المصلحين وصفات حملة الدين وبيان المنهج الإصلاحي الشرعي- عبر شقين: نظري وعملي، فأما النظري فاعتنيت فيه بمرجعية الوحي: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فوجدت فيهما من السعة لهذه المعاني ما لم أكن أظن وجوده قبل ذلك، فتناولت بيان شيء من منهج الأنبياء الإصلاحي والتعبدي عبر سلسلة مرئية مطولة بعنوان: «أنوار الأنبياء»، كما تتبعت كثيرا من مواضع تربية الله لأصحاب نبيه محمد ﷺ في القرآن عبر سلسلة مطولة كذلك بعنوان: «معالجة القرآن لنفوس المصلحين»، وقد تجاوز مجموع السلسلتين ستين محاضرة بفضل الله وتوفيقه، ولا تزال المحاضرات مستمرة، ثم انتقلت إلى مدرسة النبي ﷺ فشرعت أتتبع هديه الإصلاحي ضمن سلسلة «السيرة النبوية للمصلحين»، وجمعت من السنة متنا في مهمات ما ينبغي على المصلح مراعاته في بنائه وتعبده وسيره وسلوكه، وعنونته بـ: «المنهاج من ميراث النبوة»، وسأشرع قريبا في شرحه شرحًا مطولًا بإذن الله تعالى.
ثم انتظمت كثيرا من أصول هذه المعاني والمواد في هذا الكتاب، والذي قدمت مادته مرارا تحت عنوان: «كيف نكون أملا؟»، ثم استحسنت العنوان الحالي: «بوصلة المصلح»، فقدمته بعد ذلك في مادة مرئية مسجلة على موقع يوتيوب في ثلاث عشرة محاضرة، ثم عدت لمراجعة هذا الكتاب وتحريره، فخرج على هذه الصورة التي أسأل الله أن يبارك فيها وينفع بها ويتقبلها مني بفضله ورحمته، إنه هو السميع العليم.
مع التنبيه إلى أن الكتاب يعد كالأصل، والمادة المرئية شارحة لبعض مضامينه، فهو الأشمل من حيث المحاور ومحتوياتها، والأضبط من حيث الترتيب والتقسيم، وأما الدروس المرئية ففيها من الشرح والتفصيل في بعض الموضوعات ما لا يوجد مثله في الكتاب، فالمادتان تكملان بعضهما، ومن اكتفى بإحداهما فلن ينقصه شيء من صميم المادة، غير أن المستحسن الجمع بينهما؛ لتمام الفائدة.
وقد روعي في تقديم هذه المادة النظر بعينين في جميع موضوعاتها:
- عين تنظر إلى الواقع الإسلامي الداخلي؛ «للنقد التصحيحي».
- وعين تنظر إلى الوحي؛ «للبناء التأسيسي والاستمداد المعياري».
فالمادة ليست بنائية فقط، وإنما تجمع بين التأسيس والبناء من جهة وبين التصحيح والترميم من جهة أخرى، وهذا كله فيه استصحاب لما ينبغي أن تكون عليه الحالة الإصلاحية القادمة، والتي يقدم الكتاب كثيرا من التصورات المنهجية المتعلقة بها.
وقد قسمت مادة هذا الكتاب إلى خمسة أقسام، وهي:
- القسم الأول: فضل الإصلاح.
- القسم الثاني: جدوى الإصلاح.
- القسم الثالث: بوصلة الإصلاح.
- القسم الرابع: حملة الإصلاح.
- القسم الخامس: عوائق الإصلاح.
وفي نهاية الكتاب أرفقت برنامجا بنائيا للمصلحين تحت عنوان: «التمكين المنهجي للنخب الإصلاحية»؛ ليكمل بعض الجوانب التي يصعب الإحاطة بها في هذا الكتاب.
مع العلم بأن هذا الكتاب يمثل جزءا من مشروع المنهج الإصلاحي الذي أسعى لإكمال تقديمه، ويعد هذا الجزء -الذي هو بوصلة المصلح- الأساس والمظلة العامة لما بقي من مفردات المشروع وأجزائه.
ومن الأمور المهمة التي بقيت في هذا المشروع والتي سأخرجها لاحقا -وأرجو أن يكون ذلك قريبا بإذن الله- كتاب «خارطة الثغور»، والذي سأسعى فيه بإذن الله تعالى إلى شرح المشكلات الكبرى المتعلقة بواقع الأمة الإسلامية ومواطن الاحتياج للعمل الإصلاحي في كل مشكلة منها.
وجزء آخر كذلك وهو «مركزيات الإصلاح»، والذي لا أزال أقدم مواده على شكل محاضرات مرئية على يوتيوب، وسأخرجه لاحقا بإذن الله تعالى لتكون هذه الأجزاء الثلاثة «بوصلة المصلح – خارطة الثغور– مركزيات الإصلاح» هي من أهم أجزاء مشروع المنهج الإصلاحي، مع العلم بأن هذه الأجزاء الثلاثة هي فيما يتعلق بالتأصيل والتفعيل للمشروع الإصلاحي، أما فيما يتعلق بإثراء المشروع من جهة الأدلة الشرعية واستقراء المعالم الإصلاحية في طريق الأنبياء وفي كتاب الله ﷻ فهذه أيضا أجزاء مهمة جدا من المشروع، أصدرت بعضها في كتاب «أنوار الأنبياء»، وسأصدر بقيتها بإذن الله تعالى في «كتاب شرح المنهاج من ميراث النبوة –كتاب معالجة القرآن لنفوس المصلحين»، وغير ذلك.
هذا، وأسأل الله ﷻ التوفيق والسداد والرشاد وأن يبارك في هذا العمل وينفع به وأن يجعله مورد خير للمصلحين.
أحمد بن يوسف السيد١٤٤٣/١٠/١٢ هـ٢٠٢٢/٥/١٣ م
ثم تمت مراجعة الكتاب وإضافة بعض القضايا إليه في تاريخ: ١٤٤٦/١٢/٢٨هـ، الموافق لـ٢٠٢٥/٦/٢٤م.