تدبر في {ومن يهاجر في سبيل الله...}
((ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما )) آية عظيمة تستحق التأمل والتفكر والتدبر والنظر واستخراج الدروس والعبر، وسأنقل من كلام الأئمة المفسرين ما يعين على تدبر الآية ويفتح شيئا من آفاق معانيها: (١) بداية ينبغي النظر إلى جهة مناسبتها لما قبلها من الآيات التي فيها التحذير من ترك الهجرة، وفي ذلك قال البقاعي: (ولما رهَّب من ترك الهجرة؛ رغب فيها بما يسلي عما قد يوسوس به الشيطان؛ من أنه لو فارق - رفاهية - الوطن؛ وقع في شدة الغربة؛ وأنه ربما تجشم المشقة؛ فاخترم قبل بلوغ القصد) (٢) ثم من حيث بيان الغريب أو ما قد يُشكل: وأهم كلمة في الآية تتطلب مراجعة من هذه الجهة هي: (مراغما)، وفي ذلك قال ابن كثير (والظاهر -والله أعلم-أنه التمنع الذي يتحصن به، ويراغم به الأعداء.) وقال ابن عاشور (أيْ يَجِدُ مَكانًا يُرْغِمُ فِيهِ مَن أرْغَمَهُ، أيْ يَغْلِبُ فِيهِ قَوْمَهُ بِاسْتِقْلالِهِ عَنْهم كَما أرْغَمُوهُ بِإكْراهِهِ عَلى الكُفْرِ) وقال البقاعي (أي: مهربا؛ ومذهبا؛ ومضطربا؛ يكون موضعا للمراغمة؛ يغضب الأعداء به؛ ويرغم أنوفهم بسبب ما يحصل له من الرفق؛ وحسن الحال؛ فيخجل مما جروه من سوء معاملتهم له؛ من ”الرغم“؛ وهو الذل؛ والهوان؛ وأصله: لصوق الأنف بالرغام؛ وهو التراب؛ تقول: ”راغمت فلانا“؛ أي: هجرته؛ وهو يكره مفارقتك؛ لذلة تلحقه بذلك.)
(٣) ثم من حيث المعنى الإجمالي فالآية فيها جملتان أساسيتان، الأولى (ومن يهاجر...) والثانية: (ومن يخرج...)
أما الأولى ففيها قال الطبري (يعني جل ثناؤه بقوله:"ومن يهاجر في سبيل الله"، ومن يُفارق أرضَ الشرك وأهلَها هربًا بدينه منها ومنهم، إلى أرض الإسلام وأهلها المؤمنين="في سبيل الله"، يعني: في منهاج دين الله وطريقه الذي شرعه لخلقه، وذلك الدين القَيِّم ="يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا"، يقول: يجد هذا المهاجر في سبيل الله="مراغمًا كثيرًا"، وهو المضطرب في البلاد والمذْهب. وقوله:"وسعة"، فإنه يحتمل السِّعة في أمر دينهم بمكة، وذلك منعُهم إياهم -كان- من إظهار دينهم وعبادة ربهم علانية.) وأما الجملة الثانية فقال الطبري فيها أيضا: (ثم أخبر جل ثناؤه عمن خرج مهاجرًا من أرض الشرك فارًّا بدينه إلى الله وإلى رسوله، إن أدركته منيَّته قبل بلوغه أرضَ الإسلام ودارَ الهجرة فقال: من كان كذلك="فقد وقع أجرُه على الله"، وذلك ثوابُ عمله وجزاءُ هجرته وفراق وطنه وعشيرته إلى دار الإسلام وأهل دينه.يقول جل ثناؤه: ومن يخرج مهاجرًا من داره إلى الله وإلى رسوله، فقد استوجب ثواب هجرته= إن لم يبلغ دارَ هجرته باخترام المنية إيّاه قبل بلوغه إياها= على ربه="وكان الله غفورًا رحيمًا"، يقول: ولم يزل الله تعالى ذكره="غفورًا" يعني: ساترًا ذنوب عبادهِ المؤمنين بالعفو لهم عن العقوبة عليها="رحيمًا"، بهم رفيقًا.)
(٤) ثم من جهة العبر العامة من الآية، وفي ذلك قال السعدي (هذا في بيان الحث على الهجرة والترغيب، وبيان ما فيها من المصالح، فوعد الصادقُ في وعده أن من هاجر في سبيله ابتغاء مرضاته، أنه يجد مراغما في الأرض وسعة، فالمراغم مشتمل على مصالح الدين، والسعة على مصالح الدنيا.
وذلك أن كثيرًا من الناس يتوهم أن في الهجرة شتاتًا بعد الألفة، وفقرًا بعد الغنى، وذلا بعد العز، وشدة بعد الرخاء. والأمر ليس كذلك، فإن المؤمن ما دام بين أظهر المشركين فدينه في غاية النقص، لا في العبادات القاصرة عليه كالصلاة ونحوها، ولا في العبادات المتعدية كالجهاد بالقول والفعل، وتوابع ذلك، لعدم تمكنه من ذلك، وهو بصدد أن يفتن عن دينه، خصوصا إن كان مستضعفًا. فإذا هاجر في سبيل الله تمكن من إقامة دين الله وجهاد أعداء الله ومراغمتهم، فإن المراغمة اسم جامع لكل ما يحصل به إغاظة لأعداء الله من قول وفعل، وكذلك ما يحصل له سعة في رزقه، وقد وقع كما أخبر الله تعالى. واعتبر ذلك بالصحابة رضي الله عنهم فإنهم لما هاجروا في سبيل الله وتركوا ديارهم وأولادهم وأموالهم لله، كمل بذلك إيمانهم وحصل لهم من الإيمان التام والجهاد العظيم والنصر لدين الله، ما كانوا به أئمة لمن بعدهم، وكذلك حصل لهم مما يترتب على ذلك من الفتوحات والغنائم، ما كانوا به أغنى الناس، وهكذا كل من فعل فعلهم، حصل له ما حصل لهم إلى يوم القيامة)
وقال ابن القيم متحدثاً عن عبودية المراغمة: تعليقا على الآية: (مغايظةُ الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبة له، فموافقته فيها من كمال العبودية، وشرع النبي ﷺ للمصلي إذا سها في صلاته سجدتين، وقال «إن كانت صلاته تامة كانتا ترغمان أنف الشيطان» وفي رواية " «ترغيما للشيطان» " وسماها المرغمتين فمن تعبد الله بمراغمة عدوه، فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر، وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته ومعاداته لعدوه يكون نصيبه من هذه المراغمة، ولأجل هذه المراغمة حمد التبختر بين الصفين، والخيلاء والتبختر عند صدقة السر، حيث لا يراه إلا الله، لما في ذلك من إرغام العدو، وبذل محبوبه من نفسه وماله لله عز وجل.
وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس، ومن ذاق طعمه ولذته بكى على أيامه الأول.
وبالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله)ً