فهم الواقع هداية ربانية
إن من أعظم صور التوفيق والهداية أن يُهدى المصلح إلى فهم مشكلات واقعه وإدراك مراتب خطورتها، ثم يُهدى إلى موافقة الحق في طريقة علاجه لها، وإلى تقديم الأهم على ما دونه في أولوية الاشتغال بالإصلاح، فيستحق بذلك وصف (الحكمة) التي هي: (فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي) كما ذكر أهل العلم، فيدخل في هذا التعريف دخولا أولياً: فقه الأولويات وتقديم المصالح الأولى بالعناية على غيرها، كما قال البقاعي رحمه الله في تفسيره لقول الله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة) قال عن الحكمة: (هي المعرفة بمراتب الأفعال في الحسن والقبح؛ والصلاح والفساد، وقيل لها ”حكمة“؛ لأنها بمنزلة المانع من الفساد، وما لا ينبغي أن يختار؛ فالحكيم هو العالم بما يمنع من الفساد).
وقد ذكر فريد الأنصاري رحمه الله عن الحكمة في العمل الدعوي أنها: "اتخاذ الإجراء المناسب في الوقت المناسب بالقدر المناسب. فهي إذاً راجعة في النهاية إلى كلمة واحدة جامعة، هي: حُسن التقدير والتدبير".
وهذا كله لا يكون إلا بالعلم بكتاب الله، وسنة رسوله، وحسن الفهم لهما،وتشرُّب سيرة النبي ﷺ، والوقوف الدائم عندها، واستنباط الهدي العام والتفصيلي له ﷺ من خلالها، وكذلك بالوقوف التفصيلي على هدي الأنبياء، وسبيلهم، ثم بالعمل على ضوء ذلك، مع مراعاة محكمات الدين ومركزيات الشريعة والانطلاق منها ورد المتشابه إليها، فالعلماء يذكرون أن من أهم صور الحكمة: إتقان العلم الصحيح، وحُسن الفهم له، وإجراء الفعل على وفق هذا العلم، كما أنها تتطلب تجربة وممارسة، فلا حكيم إلا ذو تجربة كما يقول معاوية رضي الله عنه في الأثر الذي ذكره البخاري عنه معلقا في صحيحه.
وهذا لا يتأتى بسهولة، ولا في زمان قصير، بل يتطلب جلداً وصبراً وتعلما وتعليما ودعوة وصدقا وتزكية، وتجربة حتى يصل المرء ويبلغ.