من صفات المصلحين كشف طرق المجرمين
الحق الذي أنزله الله ورضيه = فيه قوة في ذاته، فإذا أُوصل إلى الفطر السليمة مِن حمَلَته الصالحين = تلقته القلوب بالقبول.
والباطل الذي يكرهه الله ويسخطه = فيه هشاشة في ذاته، فإذا أبصرته القلوب السليمة كما هو دون زُخرِفه ودون تهديدات أهله وإغراءاتهم= نفرت منه القلوب وكرهَتْه.
ولذلك فإن من أعظم وظائف المصلحين:
أن يعتنوا بإيصال مُحكمات الحق ومركزياته التي تكشف عن حقيقته، وأن يحرصوا على حُسن تمثيله في أعمالهم، وأن يزيلوا الحُجُب المتراكمة على القلوب والفِطَر.
أن يعتنوا ببيان الباطل، وكشف هشاشته، وأن يبينوا سبيل حمَلته من المجرمين.
وبناء على ذلك؛ فإذا رأيت الباطل والشر يروج في زمن ما، والحقَّ يضمر وينزوي؛ فإن ذلك ليس لضعف الحق في ذاته، ولا لقوة الباطل في ذاته، وإنما بسبب أمور خارجة عنهما، ومن أهمها ما يلي:
عمل أهل الباطل في تشويه الحق وحَمَلته؛ فلا تراه النفوس على حقيقته في ذاته وإنما كما صوّره أعداؤه، ولا ترى حقيقة المصلحين وصالح أحوالهم وإنما ترسم عنهم الصورة التي رسمها الباطل وصوتُه وإعلامه وكهنته، ومن سنة أهل الباطل: الطعن في الحق عبر إسقاط حَمَلته، كما قال فرعون في شأن موسى عليه السلام (إني أخاف أن يُبدّل دينكم أو أن يُظهر في الأرض الفساد) وقال عنه (يريد أن يخرجكم من أرضكم) وقال عنه (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين) وهذا ديدين كل المجرمين في كل زمن إلى اليوم، كما قال سبحانه (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون . أتواصوا به بل هم قوم طاغون)
فساد الفِطَر والقلوب التي تتلقى الحق، وكثرة الحُجُب المتراكمة عليها من أفكار خاطئة وثقافات فاسدة ومعايير باطلة وأهواء مستولية، فلا تلين إلا إلى ما يناسب انتكاسها، كما ثبت في صحيح مسلم (231) عن حذيفة مرفوعاً إلى النبي ﷺ واصفاً القلب الذي أُشرِب الفتن: (كالكُوز مجخّيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكراً) وقوله مجخيا أي مائلاً.
فساد حَمَلة الحق وذلك بمخالفتهم لمقتضى الحق الذي يحملونه؛ فيكون حالهم فتنة للناس، بأن يدعوا إلى شيء ثم يكونوا أول المخالفين له، وهذا من أعظم الظلم للحق، كما قال ابن تيمية عن حَمَلة العلم ومبلغي الدين: (وكذلك كذبهم في العلم من أعظم الظلم، وكذلك إظهارهم للمعاصي والبدع التي تمنع الثقة بأقوالهم، وتصرف القلوب عن اتباعهم، وتقتضي متابعة الناس لهم فيها= هي من أعظم الظلم، ويستحقون من الذم والعقوبة عليها ما لا يستحقه من أظهر الكذب والمعاصي والبدع من غيرهم؛ لأن إظهار غير العالم - وإن كان فيه نوع ضرر - فليس هو مثل العالم في الضرر الذي يمنع ظهور الحق ويوجب ظهور الباطل) الفتاوى (28)
سطوة أهل الباطل وجبروتهم على الناس بإكراههم على الباطل على ضوء قانون فرعون (ما أريكم إلا ما أرى)، ولكن هذه السطوة لا تجعل الباطل حقا في أعين الناس إلا إذا فسدوا وفسقوا، كما قال سبحانه وتعالى في شأن فرعون: (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين)
#مركزة_المركزيات #صفات_المصلحين #سبيل_المجرمين